• facebook
  • twitter
  • google plus

المدارس العتيقة في سوس .. “قلاع دينية” حصينة تواصل الصمود

تُعد المدارس العلمية العتيقة بجهة سوس ماسة قلاعا حصينة للعلم والمعرفة الدينية والدنيوية، وفضاءات مارست ولازالت تمارس وظائفها في تحصين القيم وحماية الأخلاق والحفاظ على خصوصيات الهوية وتعميق الارتباط بكل ما هو أصيل، إذ تنتشر بربوع سوس، وتتوزع بين السهل والجبل، غير أنها تشترك في مجموعة من الخصائص، جعلت منها محط عناية واهتمام.

وقد شكلت المدارس العلمية العتيقة ذاكرة حية وشاهدا تاريخيا اختزن ولازال سلسلة من المحطات التي صنعها وعاشها عدد من العلماء والفقهاء الذين سطع نجم بعضهم، وتجاوزت شهرتهم مجال مدرستهم الضيق، وانتقلت إلى آفاق جهوية ووطنية. كما قامت هذه المؤسسات العلمية والتعليمية الأصيلة بوظائف عدة، أبرزها التربوية التعليمية وأخرى وطنية اجتماعية.

وتتجلى الوظيفة التربوية والتعليمية في الدور الذي لعبته المدارس العلمية العتيقة في الحفاظ على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وتأصيل القيم الأخلاقية النبيلة، بالإضافة إلى الحفاظ على الوحدة المذهبية للأمة، والمتمثلة في المذهب المالكي، فضلا عن مساهمتها الأصيلة في نشر اللغة.

أما الوظيفة الأخرى فتتجسد في البعد الوطني والاجتماعي لهذه المؤسسات، التي نشأت وترعرعت بفضل رعاية الأفراد والجماعات لها في كثير من مناطق سوس، وبمساهمة القبائل والتجمعات السكنية في بنائها والقيام على شؤون شيوخها، والنهوض بحاجيات طلبتها، نظرا لما جبل عليه أهل المنطقة من حب العلم والعلماء.

وشكلت المدارس العلمية العتيقة عاملا مساهما في التوحيد ورص الصفوف ونصرة القضايا الوطنية المصيرية، إذ عُرفت عن كثير من فقهاء وشيوخ هذه المؤسسات مواقف وطنية مشرفة، خصوص إبان الغزو الاستعماري من خلال رفض الاحتلال والدعوة إلى مقاومته بشتى الوسائل؛ هذا فضلا عن اعتبارها عنصرا ساعد بشكل كبير في إشاعة ثقافة التضامن والتسامح والاعتدال والوسطية داخل المجتمع.

الدراسات التاريخية حول نشأة المدارس العتيقة بالمغرب عموما تؤكّد انتشارها منذ سطعت في المغرب شمس الإسلام، في حقبة الفتح الإسلامي، وزاد: “منذ ذلك الحين تنافست القبائل المغربية على إنشاء تلك المدارس وإحيائها وعمارتها، فحافظت على حفظ كتاب الله، وتدريس مختلف العلوم، واستحضار الأحكام الشرعية عبادة ومعاملة”.

وكانت للمدارس العتيقة أدوار في الجهاد ضد الغزاة من المستعمرين، كان فقهاؤها وطلابها يحثون الناس على حب الأوطان والجهاد ضد المستعمر، وقراءة اللطيف لإبعاده عن الثغور المغربية، وتقديم المواعظ والنصائح، والجهاد بالكلام والشعر وغير ذلك؛ فكان الفقهاء مستهدفين من طرف المستعمر، لما لهم من دور جهادي في تلك الحقبة”.

وفي سوس، تعد مدرسة “سيدي وكاك” ضواحي تزنيت أم المدارس والنواة الأولى للمدارس العلمية العتيقة، والتي تخرج منها عدد من الطلبة والفقهاء وكبار العلماء، أبرزهم إبراهيم عبد الله ابن ياسين، مؤسس دولة المرابطين في القرن الخامس الهجري، وهي تعتبر تحفة ومنارة علمية تجمع بين التربية الروحية وتحفيظ القرآن والعلوم الشرعية، وفيها الآن تجديد لمواكبة متطلبات العصر.

وتعدّدت الأدوار والوظائف التي اضطلعت ولازالت تضطلع بها مؤسسات المدارس العتيقة، ويرى محمد بنتاجر أنها تكمن في الحفاظ على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وتأصيل القيم الأخلاقية النبيلة، والحفاظ على الوحدة المذهبية للأمة، والمتمثلة في المذهب المالكي السني، ومساهمتها الأصيلة في نشر اللغة العربية، من خلال إحياء علومها وتدريس فنونها وآدابها باعتماد مجموعة من المتون، كألفية ابن مالك والزواوي وغيرهما، هذا بالإضافة إلى البعد الوطني الاجتماعي لهذه المؤسسات.

“من العلوم التي تُدرس في هذه المؤسسات العلمية العتيقة نجد الفقه وأصوله، تفسير القرآن، السيرة النبوية، الحديث، الحساب، علم الفرائض، علم الفلك، وغيرها؛ كما أن هناك مناسبات لها خصوصيات، كشهر رمضان، الذي يُسرد فيه صحيح البخاري بأربعة أجزائه، وتشرع المدارس العتيقة في سرده منذ أواسط شعبان، ويُختم بحفل ديني متنوع. ولكل مدرسة موعد محدد للاحتفال بذلك”، يورد المصدر ذاته.

ووفقا للمتحدّث، فبفضل العناية الملكية بهذه المؤسسات، “أضحت المدارس العلمية العتيقة اليوم تسير في اتجاه التطوير والتأهيل، مواكبة لتطورات العصر، عبر عصرنة مناهج التعليم وأساليب التكوين، منخرطة بذلك في التحولات العلمية والمعرفية المتسارعة؛ كما أصبحت الآفاق مفتوحة أمام طلبتها وخريجيها من أجل الاندماج في سوق العمل بعد تكوينهم”.

هي إذن مؤسسات دينية ومعاهد علمية ومدارس للتعليم نالت صيتا تجاوز القطر السوسي، ما جعلها قبلة للرواد والطلبة؛ كما استطاعت أن تُحافظ إلى اليوم على أنظمتها التربوية التي شهدت تجديديا وتطويرا في وظائفها، وكل ما يرتبط بالجانب التدبيري والتسييري، الذي لعبت فيه القبائل دورا محوريا، لتبقى منارات علمية وقلاعا حصينة للعلم والمعرفة، أبت إلا أن تصمد من أجل نشر العلوم الدينية في ربوع سوس وتخرج أفواجا من الطلبة لتحمل مسؤوليات في مجال التأطير الديني.

رشيد بيجيكن


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *