• facebook
  • twitter
  • google plus

الهجرة إلى المدينة تستفحل ودوافع الاستقرار تنتفي باشتوكة

الهجرة إلى المدينة تستفحل ودوافع الاستقرار تنتفي باشتوكة
رشيد بيجيكن

في مقارنة لتعداد ساكنة عشر جماعات بالدائرة الجبلية لإقليم اشتوكة آيت باها، بين سنتي 2004 و2014، وهما السنتان اللتان شهد فيهما المغرب الإحصاء العام للسكان والسكنى، يبدو واضحا أن حركية انتقال عدد من سكان هذه المناطق، فرادى أو ضمن أسر، نحو الحواضر، استفحلت بشكل لافت، في مقابل استقطاب جماعات ترابية بالمناطق السهلية لأعداد متزايدة من الساكنة، في ما يشبه هجرة مضادة.

وبلغة الأٍرقام، انخفض عدد ساكنة جماعة هلالة من 3831 نسمة سنة 2004 إلى 2684 نسمة سنة 2014، بنسبة نقصان وصلت إلى 42.73-. وبجماعة إدوكنيضيف، انتقل تعداد السكان من 3151 نسمة إلى 2149 نسمة، حسب الإحصاء الأخير للسكان سنة 2014، مسجلة بذلك نسبة نقصان بلغت 46.63- ..أما جماعة تيزي نتاكوشت النائية فشهدت بدورها تقهقرا في عدد السكان المقيمين بترابها، الذين انتقلوا من 1951 نسمة إلى 1368، بنسبة نقصان مُحدّدة في 42.62-.

وإجمالا، فقد لوحظ، وفقا للمعطيات الإحصائية الرسمية التي حصلت عليها جريدة هسبريس، أن ظاهرة تناقص عدد سكان الأرياف والقرى الجبلية بإقليم اشتوكة آيت باها باتت واقعا ملموسا، إذ إن الجماعات القروية العشر المكوّنة للمجال الإداري لدائرة آيت باها شهدت بدون استثناء انخفاض عدد قاطنيها بين سنتي 2004 و2014، وإن كانت بنسب متفاوتة؛ وذلك بنسبة إلى 20.86-، أي انتقال عدد السكان من 52422 إلى 41489 نسمة سنة 2014.

ابراهيم، وهو متقاعد من الديار الفرنسية، التي قضى بها زهاء 40 سنة، عاد إلى أرض الوطن مؤخّرا، وبالضبط إلى إحدى مداشر جماعة أوكنز الجبلية، آملا أن يقضي بقية عمره هناك بين أحضان الطبيعة الجبلية، في مسقط رأسه، ويُمنّي نفسه بإحياء أواصر التآزر والتعاون بين ساكنة الدوار، التي كان قد ألفها في صغره، وفق تعبيره، وقال مستدركا: “غير أنني اكتشفت أن كل عوامل الاستقرار منتفية في هذه البلدة، حيث نضطر إلى قطع مئات الكيلومترات لقضاء أبسط الأغراض اليومية، ونُواجه ببروقراطية مستمرة، خِلت أنها ولّت في بلدنا”.

أما الحاج سعيد، فأورد في حديث لهسبريس، بقرية إداوكنيضيف، والذي صادفناه في حفل تدشين المدرسة العتيقة “إرس”، أنه رغم هجرته المبكرة إلى مدينة فاس، إلا إن الأواصر لم تنقطع بينه وبين “تمازيرت”؛ فلا تكاد تمر مناسبة مثل هذه، يقول الحاج سعيد في القول، “إلا ونكون مُجبرين على الحضور، فضلا عن الأعياد الدينية والمناسبات الشخصية، التي تُحوّل البلدة إلى أشبه بخليط من مختلف المدن المغربية. ويشيد من لهم إمكانيات مادية مساكن فخمة وسط هذه الجبال، دليلا على ارتباطهم الوثيق بالبلدة، كما يُساهمون في تنمية هذه المناطق من مالهم الخاص”.

سعيد جليل، باحث في علم الاجتماع نقلنا إليه هذه المعطيات العددية، في محاولة للبحث عن أسباب الظاهرة، فأورد ضمن تصريح لهسبريس أن “سؤال فعل الهجرة الداخلية من اشتوكة الجبلية والمناطق المجاورة لها في اتجاه المدن والمراكز الحضرية المختلفة، في حد ذاته، ليس جديدا، بل عرفته هذه المناطق منذ الأربعينيات من القرن الماضي، إذ نشطت الهجرة نحو المدن الكبرى أولا (الرباط، البيضاء، مكناس، القنيطرة…)، ونحو بعض المدن الجزائرية ثانيا، ونحو الدول الأوروبية، خصوصا فرنسا ثالثا”، حسب تعبيره.

وأضاف سعيد جليل، في تفسيره للانخفاض المتواصل لأعداد الساكنة بهذه المناطق، أن أشتوكة أيت باها الجبلية كانت دوما منطقة “طرد” أو مصدرا للعمالة المهاجرة، لكن مع فروق بين الأمس واليوم، عدّدها في “كون هذه الهجرة كانت في الغالب فعلا فرديا، يقوم به الشخص العامل/التاجر…ولا يُسمح بتهجير أسرته إلى المنطقة التي يعمل بها، حفاظا على رابط اجتماعي- ثقافي مع المنطقة الأصل”.

وفي جانب آخر، زاد سعيد جليل أن “الهجرة تكون دوما فعلا مؤقتا، لا يترتب عنه الاستقرار بمكان العمل؛ بل تعقبه عودة حتمية إلى “تامازيرت”، البلد الأصلي، كما يُنظر إليه على أنه فعل معزول عن مجمل العناصر الاجتماعية والاقتصادية المصاحبة؛ فالمُهاجر لا ينظر إلى الهجرة إلا كفرصة للحصول على موارد مالية، لا توفرها الزراعة وتربية الماشية، ويُهمل في نظرته هذه تمدرس الأبناء والاستشفاء وتحقيق الرقي الاجتماعي”، على حد قوله.

امحمد بوهوش، رئيس جمعية “أناروز مكتار”، بقيادة آيت واد ريم، ذهب في تفسيره لهذه الظاهرة إلى انتقاد الواقع التنموي، وما وصفه بـ”تعقّد فرص العيش” بهذه المناطق النائية، فـ”محاصرة الساكنة بالأملاك الغابوية، والسعي إلى انتزاعها من مالكيها الأصليين، بموجب ظهائر استعمارية، واجتياح الرحل للمستغلات الزراعية، الذين يُذهبون مجهودات الفلاحين البسطاء سُدى، والبعد عن المرافق الإدارية، مع ما يواكب ذلك من شطط أثناء إنجاز الوثائق الإدارية، بالإضافة إلى الرغبة الملحة في متابعة تمدرس الأبناء بالتعليم الثانوي والعالي، كلها دوافع تجعل هذه الأرياف مهجورة، في حالات كثيرة منها”، وفق تعبيره.

كما أرجع الفاعل الجمعوي ذاته “نزوح” أهالي المناطق الجبلية صوب الحواضر والمدن، أو حتى إلى خارج الوطن، إلى “غياب توزيع عادل في إحداث وإنجاز البنى التحتية الأساسية، المشجعة على الاستقرار، كالطرق والماء، والمؤسسات ذات البعد الاجتماعي، كالمدارس والمرافق الاستشفائية الصحية”، مضيفا: “لازالت معاناة أهالي هذه الربوع مستفحلة، لاسيما في الولوج إلى الخدمات الصحية. كما أن غياب فرص للشغل، وتحويل جل الأراضي إلى محميات للقنص، وانتشار الخنزير البري، عوامل تجعل التفكير في المغادرة للبحث عن ظروف عيش أفضل أمرا واردا لدى غالبية ساكنة الجبال”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *