• facebook
  • twitter
  • google plus

فشل أزمة الكركارات يرفع مخاطر اندلاع حرب الصحراء

فشل حل "أزمة الكركارات" يرفع مخاطر اندلاع "حرب الصحراء"
صبري الحو*

باشرت الأمم المتحدة حوارا مع المغرب والبوليساريو، والدول المعنية عقب اندلاع أزمة الكركارات؛ وكانت وظيفتها منصبة على إبداء النصح بضبط النفس، والعمل على تحديد إمكانيات حل الأزمة. غير أن العروض التي كشفها دوجاريك، الناطق باسم الأمين العام، يوم الجمعة 16 شتنبر، تخدم، بل تتقاطع مع مصلحة البوليساريو، وتضر بالمغرب. فما هو مضمون الإمكانيات التي تخوض فيها الأمم المتحدة مع الطرفين؟ وتلك التي ينفتح عليها النزاع في حالة استمراره؟

إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه

حسب ما ورد في التقرير، الذي تحدثت عنه جريدة “واشنطن بوسط” بتاريخ 29 غشت الماضي-والذي لم تتم مناقشته في الاجتماع الطارئ لتاسع شتنبر الماضي- ومفاده توجيه الأمم المتحدة اتهاما لكل من المغرب والبوليساريو بخرقهما اتفاق وقف إطلاق النار بتدخلهما في منطقة الكركارات، فإن الخيار الذي اشتغل عليه مسؤولو الأمم المتحدة في علاقة بأزمة الكركارات هو الضغط على الجانبين لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه.

هذا الطرح مهد له طلب الأمين العام للأمم المتحدة بعد اندلاع الأزمة بـ”تعليق كل عمل يؤثر على الوضع القائم، وسحب كل المسلحين لمنع مزيد من التصعيد”، كما دعا الطرفين إلى عدم خرق وقف إطلاق النار، وهو ما أكده الناطق الرسمي نفسه أمس.

هذا الخيار تستفيد منه البوليساريو بتحقيق فوز تكتيكي، ميدانيا بتقييد حرية المغرب في منطقة تخضع له، وسياسيا بإحساسها بنجاح مناورتها في صد وإجهاض المشروع والخطة المغربية. وسيترتب عن هذا السيناريو ضرورة الاتفاق على طريقة لإتمام جزء من الهدف الظاهر والمعلن في الخطة المغربية، بتعبيد الطريق، والعمل الذي بدأ تنفيذه فعلاً.. ولا يمكن للمغرب أن يقبل بغير تمامه؛ لأن تراجعه يوفر الحجة المادية.

كما أن ذلك يستتبع إشكالا آخر مرتبطا بهوية من سيتكفل بتلك الأشغال وشكله. ومن سيؤدي ثمن الإنجاز تبعاً للنتائج والآثار السياسية والقانونية التي تنتج عن ذلك… ولا ريب أن المغرب لن يقبل هذا الحل.

فشل الأمم المتحدة في السيطرة على النزاع العارض لتصلب مواقف الطرفين

يعتبر المغرب أن تدخله خلف الجدار الدفاعي لتمشيطه حق يؤول له، وله علاقة مباشرة بأمنه القومي؛ وتعزز موقفه الأدلة المادية التي حصل عليها في إطار تدخله بضبط أشخاص من لاجئي تندوف، لهم علاقة قرابة بقيادات الجبهة، وعلاقة بالاتجار الدولي بالمخدرات؛ وحجز موجودات وسيارات مسروقة، وعربات مزورة، كما يدفع بكون المنطقة كانت تحت إدارته المباشرة، وتخضع لتقطيع إدارته الداخلية، وأن البوليساريو هي التي خرقت وقف إطلاق النار بتدخلها بواسطة مقاتليها لعرقلة عملية تعبيد الطريق.

في المقابل، تتذرع البوليساريو بأن خروج القوات المغربية خارج الجدار إلى منطقة الكركارات، التي تعتبرها عازلة، وتشييد طريق، هو السبب المباشر لتدخلها في المنطقة، وتدعي بأنها كانت تحت مسؤولية الأمم المتحدة، دون أن تستقر طويلا عند هذا الدفع، بل سرعان ما انتقلت مروجة أنها أراض محررة، وترهن تراجعها، وإخلاء المكان والمنطقة، بشرط رجوع القوات المغربية إلى أماكنها، وتوقف أشغال تعبيد الطريق، وبناء المينورسو مركز لمراقبة المنطقة.

هذه الحيثيات المتقابلة هي التصور الأقرب لفحوى أجوبة الطرفين على الاتصالات التي تباشرها الأمم المتحد حاليا على أعلى مستوى؛ بينما انحصر عمل قوات المينورسو في الميدان، وانصب على توجيه النصح للعناصر الأمنية للطرفين لضبط النفس، وعدم صدور أي تصرف أو سلوك استفزازي من قبلهما، وانتظار ما تسفر عنه الاتصالات المتخذة من طرف الأمم المتحدة على أعلى مستوى بينهما ومع الدول المعنية.

ومن المرجح أن يستمر هذا الوضع طويلا، فهو نسخة طبق الأصل ومصغرة لفشل وتعليق المفاوضات المباشرة التي انطلقت سنة 2007، بغية الوصول إلى حل سياسي متفق عليه ينهي النزاع. غير أن مأزق العملية السياسية برمتها كان بسبب تصلب الأطراف في وجهات نظرهما، وتمسكهما بمبادراتهما المقدمة منذ 2007؛ وهو ما يحصل الآن بينهما بسبب أزمة الكركارات.

هذا التصور لا يعطي كثيرا من الأمل للتنبؤ باحتمال انفراج سريع للوضع الموجود حاليا في الكركارات، بل محكوم عليه أن يعمر طويلا، لعلاقته المباشرة بالعملية السياسية الكبرى بين الجانبين، واهتمام الرأي العام بها وبمآلاتها، سواء في المخيمات أو في المغرب؛ وهو ما يحلينا مباشرة إلى مناقشة السيناريو الثالث، وتداعياته؟

اندلاع اقتتال ودحر المغرب لمقاتلي البوليساريو ونشوب حرب شاملة

في حالة عدم إدراك حل في إطار الاحتمال الأول، وبقاء الوضع على حالته الحالية، والمشار إليه في السيناريو الثاني، فإن احتكاك العناصر في الميدان، واندلاع قتال ونشوب حرب، هو الاحتمال المرجح أكثر، لأن قوات الجانبين متمركزة على مسافة قريبة لا تتجاوز مائة وعشرين مترا، حسب الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك. وهي حالة شاذة وغير طبيعية، إذ قد تتسبب حركة أو إشارة استفزازية لعنصر من عناصر أحد الجانبين المرابطة في عين المكان، تحت الضغط النفسي، في احتكاك مباشر.

وتزيد من احتمال نشوب احتكاك مباشر حاجة الأطراف إلى مثل هذه العملية، استجابة لضغط فئة الشباب وصقور القيادة لدى البوليساريو، ولتخفيف الضغط الكثيف والمتنوع الذي يُمَارسُ على الدبلوماسية المغربية، دون نسيان حاجة دول الجوار المعنية إلى قيام ذلك التوتر؛ فالجزائر ترى فيه متنفسا لتصدير أزمتها، وإيجاد تيسير لتدبير ما بعد بوتفليقة، والشيء نفسه لدى رئاسة موريتانيا.. لعل الجنرال محمد عبد العزيز يجد في الحرب ثغرة للاستمرار في السلطة، بعد استنفاد ولاياته الدستورية، وفشله في الحوار لتعديل الدستور، بشكل يسمح له بولاية أخرى.

ويلعب الوقت دورا كبيرا في احتمال حدوث هذا السيناريو المشؤوم، بالنظر إلى التقابل المباشر للقوات وجها لوجه، وعلى مسافة جد قريبة.

تداعيات الاقتتال السياسية والأممية على أمن واستقرار المنطقة

إن بداية الحرب، التي تقع في غالب الأحيان بسبب مزاج البشر، أسهل بكثير من التحكم في وقف وضبط عملياتها، أو الرضوخ لأمر جهة في سبيل ذلك، وهو ما يضع المنطقة كاملة تحت التهديد بالخطر المباشر.. فلا أحد يقدر على ضبط مدى الحرب وحدودها وامتداداتها ووقتها.

لكن، يبدو أن البوليساريو، التي حصلت لديها قناعة لتحقيق غاية إعلامية وسياسية داخلية من الوضع القائم، تصر على المغامرة ببعض عناصرها في حالة قيام اقتتال لتحقيق مبتغى سياسي آخر؛ ذلك أن بداهة دحر القوات المغربية لثلة من مقاتليها، الذين أرسلتهم عنوة قصد التضحية بهم، هو غايتها الأساس من اختيارها وقوع الاحتكاك؛ وقد يكون ظنها أن الأمم المتحدة ستتدخل بسرعة لإجبار المغرب على التراجع، أو أن القتال إن وقع سيكون وقتيا ومحدودا، لتظهر في حينه بمظهر الضحية الذي يدغدغ عواطف المجموعة الدولية، ويستميلها للوقوف إلى صفها، بادعاء ظلم المغرب، وعدم التوازن في القوة.

وتتصور البوليساريو أن ذلك سيساهم في توفير ذريعة للأمم المتحدة لنقل الملف إلى الفصل السابع، وفرض مبادرتها على المغرب، تبعا لارتباط النزاع برمته في نظر مجلس الأمن بالسلم والأمن العالميين، وهو الهدف الذي يهدده بقيام حرب شاملة في المنطقة بين الجميع، رغبة من الأطراف المباشرة وغير المباشرة في تصفية الحسابات العالقة والضغائن الدفينة بينهم.

على سبيل الختم

إن الدخول في حرب جديدة، أكان بسعي جهة واحدة أو بتطابق إرادتين أو أكثر، معناه نهاية لمسلسل المفاوضات! ونشوب حرب شاملة تطال الجميع، ولا تستثني أحداً.

وسيسمح ذلك المناخ بالفوضى العارمة، وبحرب الجميع ضد الجميع، وهشاشة المنطقة، وتحويلها إلى ملاذ لجماعات التطرف والإرهاب، وللتدخل الأجنبي، ما سيعصف باستقرارها. وسيبقى وحده الميدان، والقوة، ما سيفرض الحلول، المجهولة الوصف، والعسيرة على ضبط حدودها ومدى انتشارها وأطرافها، وكذا الوقت الذي قد تستغرقه.
*خبير في القانون الدولي، الهجرة ونزاع الصحراء


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *