• facebook
  • twitter
  • google plus

هذه قّصة صراع “أمراء الأمن” و”جماعة الرئيس” في الجزائر

هذه قّصة صراع "أمراء الأمن" و"جماعة الرئيس" في الجزائر
بواسطة - هسوس

تتسارع الأحداث في هرم السلطة بالجزائر تسارعا مخيفا، وما كان يقال عنه خطاب أعداء الجزائر أصبح العمود الفقري لتصريحات جل مكونات هرم السلطة، بدءا من خطاب الرئيس بوتفليقة يوم 20 غشت 2016، حول فشل بناء الدولة لمرحلة الاستقلال، وربط ذلك بعاملين، ارتباط مؤسسات الدولة بعائدات المحروقات وفشل الشخصيات الوطنية في رسم مشروع دولة، قول سبقه خطاب آخر واكب مشروع تعديل الدستور في فبراير 2016 بالحديث عن الانتقال إلى الدولة المدنية، في سياق تصفية الحسابات مع ضباط في المخابرات والجيش.

بدأ بوتفليقة مساره بالتقرب من رجل المخابرات القوي الجنرال توفيق، واستطاع أن يزيح عددا من ضباط الجيش المعروفين باسم ضباط فرنسا، لكن شهر العسل بين بوتفليقة وتوفيق تآكل شيئا فشيئا. في سنة 2013 انكشف الصراع بين الرجلين حين تبين لتوفيق أن بوتفليقة عازم على دخول ولاية رابعة، فاندلعت حروب بالوكالات، كان الإعلام أحد واجهاتها، بدأت قصة النزاع بين “أمراء الأمن والجيش” و”جماعة الرئيس” عندما أعلن بوتفليقة من فوق كرسيه المتحرك، عن تمدده في الولاية الرابعة، علما أن الحرب بين توفيق و”جماعة الرئيس” بدأت منذ العهدة الثالثة، حين عملت مصالح تابعة للجنرال توفيق بتقديم مقربين من الرئاسة إلى المحاكمات إثر تفجير “ملفات فساد”، خاصة ما تعلق بسونتراك، وهي أحد دعامتي (إضافة إلى جبهة التحرير) النظام الجزائري.

استعمل بوتفليقة الوسيلة نفسها التي طرد بها جنرالات فرنسا، نزار وبلخير والعماري وآخرون، فقص أجنحة توفيق وحول جهاز المخابرات (الد.ر.س) إلى بيضة ديك، ليجهز على ولي نعمته بإقالته وحل الد.ر.س وتحويلها إلى ثلاث مصالح جديدة ووظف في ذلك ورقة الجنرال طرطاق، الذي حمل اليوم فشل المخابرات الجزائرية في الكشف عن الانتصارات المغربية الجديدة في إفريقيا.

بعد استقرار بوتفليقة في كرسي العهدة الرابعة، عمل على قص أجنحة الجنرال توفيق، بحل المصالح التي تسببت في تقديم المقربين منه إلى العدالة، ثم تبع ذلك سلسلة إقالات؛ بيد أن سرعة الإجهاز على هيكلة المؤسسات الأمنية والمخابراتية زادت في شهر يوليوز 2015، عندما تمت إقالة ثلاثة مسؤولين كبار لهم علاقة بأمن المؤسسات الحكومية، ويتعلق الأمر باللواء أحمد ملياني، مدير الحرس الجمهوري، والعميد جمال محجوب مدير الأمن الرئاسي، واللواء على بن داود مدير الأمن الداخلي. في السياق نفسه عُيّن الفريق علي بن علي قائدا للحرس الجمهوري وهو أحد مناصري بوتفليقة داخل مؤسسات الجيش، كما كلف العقيد ناصر حبشي مديرا للأمن الرئاسي، وبعد ذلك توالت موجات الإقالة داخل الجيش أيضا لعزل قايد صالح وإفهامه بالحد الذي لا يجب تجاوزه.

ووفق منطق العنف الذي طبع ولادة الدولة الجزائرية تجاه “أبنائها المخلصين” اعتقل عدد من الجنرالات؛ في مقدمتهم الجنرال حسان، الذي كان مسؤولا عن مصلحة مكافحة الإرهاب، وهي مصلحة العمليات، فكان رد فعل الجنرال توفيق قويا، إذ لأول مرة ينشر رسالة في دجنبر 2015، ينتقد فيها اعتقال الجنرال حسان.

إن الأمر في نهاية المطاف هو صراع أجنحة داخل السلطة، ولأول مرة عوض اللجوء إلى التصفيات الجسدية التي تعرض لها العديد من قادة الثورة الجزائرية، تم تبني مقاربة جديدة تعتمد العزل والإقصاء والتشهير والتهديد والإذلال.

ما العلاقة بين المنظومة الدبلوماسية التي يقودها الملك في إفريقيا وفشل المنتدى الإفريقي للاستثمار؟

سؤال مصير الدولة الجزائرية يعود إلى الواجهة من جديد، ارتباطا مع التغير الحاصل في السياسة الإفريقية للمغرب، إذ يبدو أن خطاب الملك محمد السادس إلى القمة الإفريقية الـ27 بكيغالي قد بعثر كل الحسابات التي بنتها المصالح السياسية والأمنية الجزائرية لمواجهة المغرب، ولم تستفق “الجهات” الجزائرية من صدمة قرار المغرب بالعودة إلى الاتحاد الإفريقي، فتلقت ضربات أخرى تجلت في الزيارات الملكية لدول شرق وجنوب القارة أسفرت عن عشرات الاتفاقات ومذكرات تفاهم وآليات للحوار السياسي بين دول ما زالت تعترف بجمهورية تندوف، وهنا بيت القصيد، إذ إن المغرب غيّر كليا هندسته الدبلوماسية، وحمل خطاب دكار رسائل كثيرة إلى أصحاب القرار في قصر المرادية.

تجلت الصدمة داخل مراكز القرار الجزائري بتحميل مسؤولية الفشل المخابراتي للجنرالين طرطاق والهامل، واتجهت الأنظار إلى توفيق وكتلته. وكانت الخطوة الأولى هي إزاحة اسعيداني من الأمانة العامة لجبهة التحرير، وهو الرجل الذي وظف، منذ 2013، لمهاجمة توفيق وبلخادم. وجرى الحديث عن لقاءات تمت بين جماعة الرئيس من جهة والجنرال توفيق وبلخادم من جهة أخرى؛ لكن بلخادم أعلى سقف مطالبه بتقزيم تعيين ولد عباس، الزعيم الجديد لجبهة التحرير والمقرب كثيرا من عائلة بوتفليقة، في حين لم تنكشف بعد نتائج المفاوضات مع توفيق.

تجري هذه الأحداث مع بروز توتر جديد بين جماعة الرئيس وقائد أركان الجيش قايد صالح، الذي وجه تحذيرا في الصيف الماضي إلى الجيران وإلى الطبقة السياسية. وخلال تنقله في المناطق العسكرية الجزائرية، كان الخيط الرابط في خطبه، وفي بيانات وزارة الدفاع، أن الجيش هو الضامن لاستقرار وسلامة البلاد، خطاب أثار امتعاض جماعة الرئيس، وجاء رد فعل “الرئيس” مباشرا بإدخال تغييرات في قيادات الجيش وإحالة عدد من القضاة العسكريين على التقاعد. وفي هذا السياق تأتي رسائل بوتفليقة إلى الملك محمد السادس المعبرة عن “اعتزازه بروابط المحبة مع العائلة الملكية الشريفة”، وتصريحات الوزير الأول سلال حول التقارب المغربي الجزائري، إنها في نهاية المطاف رسائل إلى رئيس الأركان قايد صالح، مفادها أن المغرب لا يشكل تهديدا عسكريا للجزائر، إذ إن هناك تخوفات من توظيف ورقة المغرب كما وقع في 1963، لتصفية التناقضات الجزائرية الداخلية.

يبدو أن موضوع مواجهة المغرب في القارة الإفريقية كان شعار المرحلة الجديدة في هرم السلطة، ويبدو أن قرارات اتخذت من أجل الشروع في برنامج للحد من الخسائر؛ لأن ورقة “الدور الإقليمي” للجزائر التي استندت عليها الدولة منذ 1962، ستتآكل مع عودة المغرب إلى المنتظم القاري، ومع العشرات من الاتفاقات الإستراتيجية بين المغرب ومن كان يعتقد أنهم حلفاء للجزائر. في هذا السياق عقدت ندوة حول “دور الجزائر في مواجهة الاستعمار في القارة الإفريقية”، وكانت التغطية الإعلامية موجهة بالكامل إلى تمجيد جبهة البوليزاريو وشتم المغرب بكل الصفات والنعوت. ثم جاء الإعلان عن “المنتدى الإفريقي للاستثمار والأعمال” في بداية دجنبر 2016، وتم تجنيد كل أطر وزارة الخارجية ورصد غلاف مالي كبير لهذا اللقاء، كما تكلف سفير الجزائر ببباريز بالدعوات؛ لكنه كان من أولى ضحايا فشل المنتدى الإفريقي. فشل المنتدى في بداية الجلسة الافتتاحية، فجماعات الرئيس تبادلت “اللكمات” أمام الضيوف الأفارقة، بالرغم من أن عدد الدول الإفريقية التي حضرت المنتدى لم تتجاوز العشرة.
قاطع الإعلام الرسمي أشغال المنتدى، وفي بداية الجلسة الافتتاحية أخذ الكلمة الوزير الأول سلال، وتحدث عن إفريقيا والتجارة البينية، وهي فقط عناوين لا تكشف عن وجود سياسة إفريقية لدى الحكومة الجزائرية، لكن الحاضرين صدموا من مشهد غريب، إذ بمجرد ما أخذ الكلمة علي حداد رئيس منتدى المقاولات، انسحب أعضاء الحكومة جمعاء، كما يجري عندما تحتج دولة على أخرى، ولا تريد الاستماع إلى كلمة ممثلها. حاول البعض أن يخفف من الأمر، بأن خطأ بروتوكوليا وقع؛ لكن بالعودة إلى الماضي القريب، يتبين أن الأطراف المتقاتلة في هرم السلطة قررت توظيف المنتدى من أجل تموقع جديد في سياق الحديث عن تعديل وزاري وشيك. علي حداد محسوب على أويحيى، الذي ينتقد عبد المالك سلال باستمرار، دون أن ننسى الصراع القائم بين حداد ولعمامرة منذ زمن طويل. هل انسحاب الحكومة رسالة إلى بوتفليقة بحصر نفوذ حداد، ومن ورائه بالخصوص أويحيى. ولم يتوقف الأمر عند هذا، إذ قاطعت الحكومة الجلسة الختامية، وجمع لعمامرة بعض المشاركين في شبه ندوة صحافية. وتحول المنتدى من دراسة الاستثمار في إفريقيا إلى دراسة الوضع في الجزائر. أطراف أخرى صبت الزيت على النار، إذ ليلة انعقاد المنتدى تحركت “لاراف” في العاصمة الجزائرية ضد الأفارقة جنوب الصحراء، وجمعتهم ورحلوا في شاحنات إلى تمنارست، وتبين أن الأمر يهدف إلى إفشال المنتدى الإفريقي، أي أنه إلى جانب جماعة أويحيى- حداد، وجماعة سلال – لعمامرة، هناك أطراف أمنية تريد “حقها” من “الكعكة” المنتظرة. يبدو في نهاية المطاف، وكأن إفشال المنتدى رسالة إلى بوتفليقة.

من يحكم الجزائر اليوم؟

سؤال طرحته عدد من الشخصيات الجزائرية، وترجم عمليا بطلبات مقابلة الرئيس لمعرفة، هل الرجل في كامل قواه العقلية والجسدية، لكن صورة بوتفليقة التي نشرها الوزير الأول الفرنسي فالس كانت خير تقرير طبي عن حالة الرئيس، وهي رسالة موجهة بالأساس إلى الشعب الجزائري. ولد قابلية، وزير الداخلية السابق، صرح، في ماي 2016، بأن الدولة في مأزق، وتلتها تصريحات من مسؤولين سابقين بأن الرشوة والعنف والجريمة والفوضى عناوين لغياب الدولة.

عجلت المقاربة الدبلوماسية الجديدة للمغرب داخل القارة الإفريقية بتسريع التناقضات داخل هرم السلطة، إذ يجري الآن الحديث عن تعديل وزاري وشيك يعاد فيه توزيع مراكز النفوذ؛ لكن هذه المرة تجري الأمور في سياقات جديدة:

الأزمة الاقتصادية التي تهز البلاد مع انهيار أسعار البترول منذ 2014؛ فقد صرح محمد لوكال، محافظ البنك الجزائري، بأن احتياطات البلد من العملة الصعبة ستتراوح في نهاية 2016 بين 117 و118 مليار دولار، في حين تشير مراكز دراسات أخرى إلى رقم 115 مليار دولار. بابا عمي، وزير المالية، صرح بأن التدبير السيئ لأموال الدولة أدى إلى فقدان خزينة الدولة لـ59 مليار أورو. وتتقاطع كل الدراسات في أن الجزائر تخسر كل سنة 50 مليار دولار، أي أن احتياطات الصرف ستنقرض بحلول 2019، إذا استمرت الأحوال على ما هي عليه اليوم، بعجز تجاري يلامس 30 مليار دولار. أحمد أويحيى، أحد دهاقنة الصراع، ومدير ديوان الرئيس، وأمين حزب التجمع الوطني، صرح، في نوفمبر الماضي، بأن الدولة قد تجد نفسها عاجزة عن أداء أجور الموظفين؛ دون أن ننسى تقرير دورية “بوليتيكو” الأمريكية من أن الاتحاد الأوربي يتهيأ لمرحلة ما بعد بوتفليقة. في مستهل الشهر الجاري، نشر مركز التفكير “دو سبيكتاتور” دراسة خلاصتها أن موت بوتفليقة سيلقي بالبلاد إلى التهلكة.

– الأزمة السياسية، وتتجلى في أكثر من مستوى كالصراع بين الأجنحة إذا انتقل التحكم في القرار من جهاز المخابرات الد.ر.س إلى مجموعات نفوذ، أنتجتها سياسات بوتفليقة، الذي أضعف الأجهزة، وقوى شخصه؛ لكن مع العلة التي أصابته، انفرط عقد محيطه، وهو ما يفسر التطاحن الجاري في العلن بين أطراف محسوبة على الرئيس.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *