أسباب وتداعيات منع الأستاذ حماد القباج

حمزة الكتاني
حمزة الكتاني

بالنسبة لنازلة الشيخ حماد القباج، ومنع والي مراكش قبول ترشيحه في دائرة كيليز، لأسباب ذكرها؛ وأن أفكاره لا تتناسب مع المسار الديمقراطي والحريات الشخصية، فإن ما حدث أمر مؤسف للغاية، وإن كنت توقعته منذ أعلن الشيخ القباج عن ترشيحه…

لقد شاركت في أربعة استحقاقات ديمقراطية على الأقل، ورشحت نفسي في اثنين منها، وأشرفت على تزكية العديد من الأفراد المرشحين، أهم وثيقة يطالب المترشح بإدلائها هي: السجل العدلي، وهو السجل الذي تشرف عليه السلطات الأمنية، ويعتبر أمرا حاسما في قبول الترشيح، وفي حال وجود ملاحظات قانونية أو أمنية على المترشح فإن ذلك يكتب، ويرفض ترشيحه بطريقة تلقائية…

المترشح يمر أثناء عملية الترشيح من عدة عقبات، مفتاحها: تزكية الحزب الذي ينتمي إليه، ومعنى تلك التزكية أنه: يلتزم بمباديء ومسار الحزب الذي ينتمي إليه، ويلتزم بتأدية اشتراك معين في حالة نجاحه، ويلتزم بالنضال من اجل الدفاع عن المشروع الذي تقدم به الحزب الذي زكاه…في وقت تعتبر التزكية التزاما من الحزب المذكور بدعمه وحمايته، وتجييش المناضلين من أجل التصويت عليه، وتسهيل المنابر الإعلامية التابعة للحزب من أجل الدعاية له والترويج لشخصه…

تدخل الوالي من الناحية القانونية هو أمر غير مفهوم، ولا محل له من الإعراب، ولكن قد يفهم من الناحية السياسية أو الأمنية، فالمجال السياسي والأمني هو مجال كبير، ولكن من المعروف أن تلك المرحلة يمر بها الحزب – في أشخاص قد تحوم حولهم شبهات معينة – قبل الترشح، وقبل قيام الحزب بالتزكية، فإن العادة أن تتم استشارة الجهات الأمنية المعنية في الشخص المترشح، والاطمئنان إلى سلامة ملفه الأمني والإعلامي….

بالنسبة لملف الشيخ القباج لا اطلاع لي على ما حصل، وما تروج له وسائل الإعلام يبدو من الوهلة الأولى ضبابيا، لأن تدخل السلطات العمومية لمنع شخص من الترشح معناه: منعه من ممارسة حقه الدستوري، وقرار مثل هذا لا يمكن أن يتم إلا بأمر قضائي، فهل تحركت دعوى ضد المعني بالأمر؟، وهل صدر قرار قضائي بمنعه من ممارسة مهامه الدستورية والوطنية؟…هذا أمر لم نسمع به، ولم يصرح به أي من الطرفين…

قد تكون أفكار للشيخ القباج لا يرتضيها البعض، أو تخالف الاتجاه العام، أو أي شيء من هذا القبيل، ولكن كل ذلك – ما لم يصل لحد دعوى قضائية، أو مس بالحق العام – يعتبر من قبيل حرية الرأي التي يكفلها الدستور المغربي، ومن الطبيعي في مجتمع منفتح أن يكون لكل شخص أفكار قد تنتقل من أقصى الطرف الأيمن لأقصى الطرف الأيسر، وما وجدت اللعبة الديمقراطية إلا لفتح ابواب الحوار بين مختلف الأفكار، والاستفادة من تنوعها وتعددها….

الأفكار لا تحاصر، إنما تحاصر الأفعال، ومحاصرة الأفكار أمر مرفوض ديمقراطيا، ويرفضه الدستور المغربي، وأفكار القباج او غيره؛ المسؤول عنها الجهة التي تزكيه، وليست مسؤولة عنها أي جهات أخرى، فمحاصرة الأفكار بطريق القمع، تعتبر أرخص وأسهل طريقة لترويجها، بل قد يتعدى الأمر إلى تشويه سمعة البلاد، وتصوير اللعبة السياسية برمتها كلعبة تشرف عليها وزارة الداخلية ليس إلا، وهذا ما لا يقبله المغرب، ويناقض تماما الخط الذي يسير فيه منذ سنة 2000..

كنت تحدثت في مناسبات أخرى عن آرائي الشخصية حول ترشيح الشيخ القباج، وهي آراء أحتفظ بها لنفسي، وكلمت المعني بالأمر حولها، وتوقعت حدوث ما حدث، بل توقعت الأسوأ؛ وهو: إلغاء نتيجة انتخابه في حال نجاحه، لاعتبارات شافهته وشافهت بعض أصحابه بها، وليس معنى ذلك، أنني لا في ملف حماد القباج، ولا في ملف أي يميني أو يساري، يمكن أن أطالب برفض إعطائه حقه الدستوري، فالحق الدستوري أمر ثابت لكل مواطن يحمل الجنسية المغربية، وكل المغاربة فيه سواء، بشتى تياراتهم وأفكارهم، فليس هذا محل النقاش، بل محل النقاش في فقه الأولى…

ما من شك ان رفض ترشيح مرشح ما؛ ربما يتوقع لحزب معارض، أما حزب من داخل الحكومة، فهو أمر يجعلنا في نوع من الارتباك Confusing فإذا كان الوالي يعمل تحت إمرة الداخلية، والداخلية تعمل تحت إمرة رئاسة الوزراء، ورئاسة الوزراء يقودها الحزب الذي زكى القباج، فقل لي بالله عليك من صاحب الأمر؟…وما قدرة الحزب الذي رشح القباج على الدفاع عنه، وعن حقه في الترشح، فهل القباج ورقة انتخابية، واسم ربحت به الجهة التي قدمته ورقة سياسية فقط؟…حسبما قال مصطفى كرين في بعض تغريداته، أم أنه مرشح كامل الأهلية، يستحق على الجهة التي رشحته أن تدافع عنه بكل قوة ووضوح؟…الأيام تبين ذلك…

على كل؛ الشيخ حماد القباج اكتسب قيمته من عالم وداعية، وقبول ترشيحه أو عدمه لن ينقص من تلك القيمة شيئا، ربما هي نقمة في طيها نعمة، وربما تكون دور القرآن ومجالس العلم والدعوة إلى الله أحوج إليه من مجالس البرلمان بشتى إكراهاتها السياسية الممقوتة، التي لا يتحملها إلا قوي القلب رابط الجأش، أو “مقزدر”…وما من شك أنه إن كانت نية حزب “العدالة والتنمية” في استقطاب السلفيين صادقة؛ فإنه – في حالة فشله في تثبيت القباج – لن يعدم سلفيا من أصحاب القباج يقود الحملة الانتخابية…وإن غدا لناظره لقريب…وفق الله الجميع، القباج، و”العدالة والتنمية”، والسلطات العمومية لما فيه الخير…


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *