فقراء الوطن … وجهنا الحقيقي

rachidLabyad
رشيد لبيض

في دردشة مع صديقي المهاجر الذي غاب عن الوطن أكثر من عشر سنوات، صرّح لي بأن المغرب يتقدّم أو تقدّم كثيرا، وقد يصير في مصاف الدول الرائدة قريبا…صديقي هذا يتابع التلفزة المغربية كثيرا…هي من تصله بأخبار الوطن.

كان جوابي له على شكل نكته تحكي “أن رجلا مغربيا أخبر صديقه برغبته في الهجرة، فلمّا سأله إلى أين الوجهة، أجابه أنه يرغب في الهجرة إلى المغرب. فردّ صديقه متعجّبا: ألست في المغرب الآن؟ كان جوابه أنه يرغب في الهجرة إلى “مغرب التلفزة” وليس إلى “مغرب الواقع” الذي يعيشه.

هذه النكتة على بساطتها تعبّر بصريح اللفظ والمعنى عن حال الزيف الذي نعيشه يوميا، قنوات تلفزية تزيّف الواقع، وإن لم تكن كذلك فإنها على الأقل تجمّله، أو تكابد في إظهار المحاسن لتخفي المساوئ، تظهر أشغال البناء في كل مكان، وتتجاوز عن أحوال البنائين البسطاء..تظهر القناطر الكبرى المشيدة في الخلاء وتغض “العدسة” عن الأكواخ القريبة من القناطر التي تسكنها أسر تعاني أسوء ظروف ممكنة للعيش..تشعل “الكاميرا” أمام أضواء القطار فائق السرعة وتطفئها أمام حافلات مهترئة لا تصلح لنقل البهائم بله الإنسان، أما المناطق التي لا مواصلات فيها إلإ ما يصفونه ب “النقل السرّي” (رغم أنه علنيّ والجميع يعلمه وأولهم الدولة) فحدث ولا حرج عن ظروف اشتغاله…

اسمحولي أن أخاطبكم “إعلامنا الرسمي” غير المحترم طبعا لأقول لكم ودون مجاملات “طززز فيكم وفي كاميراتكم وفي صور أوراشكم وقطاراتكم ومطاراتكم وقناطركم وفي كل ما أنتم ناقلون…”

إذا أردتم نقل الواقع المغربي البئيس كما هو (وطبعا أنتم لا تريدون) فاهبطوا، نعم اهبطوا من أبراجكم العاجية وزوروا الجزء الخلفي من المدن قبل أن تواصلوا السير نحو القرى والجبال، الحقيقة هناك تنتظركم لتستظيفكم بكأس شاي وخبز وزيت أو زيتون في أحسن الأحوال.

اسألوا الفقراء فهم أدرى الناس بمغربهم، اسألوهم كيف يدبّرون أيامهم بدراهم معدودات في ظل هذا الغلاء “الكافر” (طبعا بالإنسانية وليس بالدين)، وستجدون الفائض من المستجوبين، واسألوا مندوبية التخطيط التي أحصت الملايين تحت عتبة الفقر وملايين مضاعفة أخرى فوق عتبة الفقر، جميعهم من سكان هوامش المدن.

العجيب أنكم قد تصادفون، بل ستصادفون حتما جمعا من المآسي في أسرة واحدة: أم ربّة بيت (يسمّى بيتا زورا وبهتانا، فليس له منه إلا الإسم) مشغولة طوال الوقت بإبنها المعاق إعاقة شبه كاملة، لا حول لها ولا قوة في ظل تنكر الدولة بكل أجزتها لهذه الفئة التي تعاني الويلات في صمت، وابن آخر عاطل، أو لنقل معطلا أفضل مادام حاملا لشهادة عليا لم تنفعه في وطن تنخره الزبونية والمحسوبية في كل شيء، وشابة غرّر بها أحد أبناء المقاولين الكبار (مشيّدي القناطر التي صورتموها) في أفق حلم انتشالها من الفقر المذقع الذي تعيشه، حتى استفاقت على جسدها يباع بأرخص الأثمان في سوق الدعارة. أما رب الأسرة فستجدونه يكبح مقابل دراهم معدودات يصرف نصف قوته اليومي في سجائر رخيصة يحرق بها كبده انتقاما من ذاته ما دام ضعيفا لا يستطيع لتغيير حاله سبيلا.

ثم بعد جولتكم في “هامش المدينة” أو “مدينة الهامش” (فكلاهما يصح مادام المجالان متناقضان طبقيا) لا تنسوا أن تزوروا البادية، ولا تخشوا شيئا، فسكان القرى طيبون، ورغم فقرهم لا يعتدون ولا يسرقون مثلما يفعل مهمشوا المدن، الفارق هنا أنكم لن تسألوا كثيرا فكل شيء بادي للعيان، طرق لا تصلح إلا للبهائم..مدارس معزولة..مستوصفات طبية (إن وجدت بضربة حظ) فإنها تفتقر لأدنى شروط التطبيب. فإذا كان مستشفى مدينة بني ملال لا يتوفر على مصل مضاد لسم العقرب، فلكم أن تتخيلوا مستوصفات البوادي كيف حالها. مات الكثيرون وآخرهم فتاة في ليلة عرسها (واحسرتاه) من جراء لدغ الحشرات بالبوادي…اسألوا فقط وستعلمون أي منقلب ستنقلبون.

أما سكان الجبال بهذا الوطن، فإن حالهم كأفلام الرعب التي يتم تحذير المشاهد من هولها قبل المشاهدة. لا أحد يفكّر في هؤلاء، هم المنسيون حقّا في هذا الوطن، حتّى السياسيون الذي يجوبون كل المناطق تسوّلا للأصوات فإنهم لا يصلون إلى هؤلاء، وكيف يصلهم السياسي وهم أنفسهم لا يصلون مساكنهم إلا بمشقّة مستديمة حولت حياتهم إلى عذاب حقيقي مع أحوال الطقس القاسية بهذه المناطق. جميع الناس يفرحون بالثلوج إلا هؤلاء، فإن الثلج مرادف عندهم للجوع والعطش، بل للموت في بعض الأحيان.

لعل أقصى ما يحلم به هؤلاء؛ طريق تفكّ عزلتهم، مستشفى، ومدرسة تعطيهم أملا في تغيير وضعيتهم، لا أمل لأسرة إلا إبن يدرس فيحصل وظيفة، وطبعا أفقها ضيق جدا متواضع كنمط عيشها: وظيفة صغيرة تساعد الإبن في اقتناء منزل خارج هذه الأدغال تمكنهم من النزوح نحو واقع أفضل نسبيا. ولكن الرياح لا تهب حسب اشتهاء السفن دائما، فالغالب هناك هو “إعادة الإنتاج” فلاح يلد فلاحا مثله، لأن المدرسة العمومية على خيباتها استكثروها على أبناء سكان هذه الجبال…

ما سبق ليس إلا غيضا من فيض، فالواقع أمر بكثير، ولا نتغيي تقديم صورة قاتمة عن بلادنا وما كان ذلك في مصلحتنا، لكننا نريد أن نرى وجهنا الحقيقي في المرآة (في إعلامنا)، فأي مشكلة كيفما كانت يبدأ علاجها بالاعتراف بوجودها أولا، تجميل الواقع افتراضيا وتزييفه لا يخدم إلا السماسرة الذين يتاجرون بمآسي أبناء هذا الوطن ليغنموا على ظهورهم رغد العيش آمنين مطمئنين في إقاماتهم الخرافية…

الفقر ما كان يوما عيبا، بل العيب كلّ العيب تفقير هذا الشعب، وحرمان أبنائه من فرص متكافئة تخرجهم من دوامة الفقر عبر استراتيجيات إعادة إنتاج التفاوت الطبقي، العيب أو لنسميه “الاستبداد” أن يتم الحكم عليك “أن تظل فقيرا” طول الحياة !!!!

rachidlebyed@gmail.com

https://www.facebook.com/rachid.sociologie.7


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *