• facebook
  • twitter
  • google plus

الوشاح الأسود

bellarabi
الحسن بلعربي

وصل إبليس الى المالح غربا، وتذكر أن قريبا من هناك توجد جزيرة كانت لـ”خدامه الأسياد”، فقرر الإبحار إتجاهها، ودعا غراب “العقعق” لمرافقته، جذفا حتى وصلا إليها، نزل إبليس والغراب المرافق يحلق فوقه مؤمنا المكان.

جال إبليس في الجزيرة وتذكر من أخلصوا له في مهامهم؛ كانوا هولنديين، وبرتغاليين، وأمريكيين، وفرنسيين وإسبانيين. حزن إبليس على ذكراهم والحنين إلى الماضي يجرفه، فلعن الموت وتسارع الزمن الفاني.

دخل مبنى، وكانت في بابه إشارة الى توقيت الزيارات وثمن تذكرة الدخول. وسط العمارة كانت السلالم مترامية نحو الأعلى يمينا ويسارا، صعد إبليس فرأى في بهو المكان صفوفا من الذين كانوا أحرارا في أراضيهم وغدوا مكبلي الأيادي والأرجل، ولا يلمع فيهم سوى أسنانهم البيضاء، وقطرات العرق المتصبب على أجسادهم؛ نساء في جانب، وفتيات في آخر، ثم ذكور، و طفال. باب كبير يفتح للتجار من البواخر الراسة خارجا، وقد مرّ من ذلك الباب ملايين من بني البشر في رحلة ذهاب دون إياب.

طاف إبليس بالمكان، فرأى غرفا بسقوف تعانق الأرض أحيانا، فتعجب لسواد قلوب خدامه الأسياد، وخرج، ثم أطلق ضحكة دوت وغدرت بسكون المكان.

فتح “باب اللا عودة”، ونظر الى الأسفل ورأى أمواجا تعنف صخورا وتفتتها غضبا، واتجه بالنظرة نحو الغرب ما وراء المحيط، فرأى حقولا من قصب السكر، والذرة، والبن، والكاكو، وسمع ألحانا حزينة على وقع الطبول، ووصلت اليه هتافات حجيج من الأحرار قدموا لسماع خطبة “لدي حلم”.

عاد إبليس إلى الداخل بعد أن أحكم إغلاق الباب، فقضى الليل منصتا إلى أنين الأمهات على فراق أبنائهن وأزواجهن. استيقظ على أصوات سياح، وصوت المرشد الأسود، يصف بصوت حزين وروتيني، ما قد اقترفه جنس البشر في حق البشر، عارضا عليهم شراء بطائق بريد للتذكار.

لم يوفق الرجل في بيع سلعته المعروضة التي لم تعد مستعملة. ضحك إبليس وودع خادمه “العقعق”، ثم طار شمالا، فشرقا، عائدا إلى برجه العالي. وهو يحلق جوا رأى نبتة النور، خضراء اللون، تنمو رويدا وسط حقول نبتته السوداء. وصل الى الشرق وذهنه شارد والنبتة الطفيلية لا تفارق تفكيره.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *